يذكر كارل بيكر، أحد أعمدة التاريخ الأميركي الحديث، أن الأحداث الجسام تقيّم بقدر ما تخلف وتورث لنا من مصطلحات، فقدر الأحداث تكمن في تراثها اللغوي والمفهومي، وعظمتها تقاس بما ترسب في نفوس الناس من مفاهيم ودلالات، فيشير أستاذ كارل إلى أن أهمية العصور الوسطى في أوروبا تدرك في مخلفاتها اللغوية المتمثلة في سلطة الكنيسة، الإيمان وصك الغفران، وأن عظمة القرن الثامن عشر تدرك فيما فاض به نسيم الحرية من مفاهيم الحقوق، المواطنة والحريات، والتكنولوجيا التي انبرجت لمتطلبات الحرب العالمية الأولى، والتي فرضت مصطلحات الكفاءة، والتقدم والتخصص. 

الربيع العربي في خارطة الثورات العالمية

خارطة الثورات العالميّة الكبرى

 

ولو احتفينا بنظريّة الأستاذ كارل بيكر، وطبّقناها على خارطة الثورات العالميّة الكبرى في القرنين المنصرمين، لاستخلصنا الجدول التالي مدعوما بأدبيات الثورة.

يتبيّنٍ من هذه الأمثلة أنّ هناك علاقة عضويّة بين عظمة الأحداث السياسيّة أو تأثير و منتوجاتها الدلالية والمفهومية، وهكذا دواليك عن علاقة التراث اللغوي بالحدث السياسي. وبما أنّ الاستنباطات العلميّة لا تكتمل حين تطّرد المستثنيات من قواعدها، فسوف نكمّل الدراسة بتوسيع رقعة الثورات مع تحليل مآلها في العصر الحديث. يقدر عدد الثورات السياسيّة (الثورة بمفهومها الاجتجاجي السياسي العام كفعل ضد الحكم القائم) ذات الصدى الإقليمي منذ بداية القرن العشرين عام 1900إلى حدّ عام 2010 بحوالي 297 ثورة، وهو ما يوضحه الجدول التالي.

ونلاحظ في مشروعنا البحثي التوثيقي عن الثورات، أن معظم ثورات ما بين الحربين العالمية الأولى 1914 والثانية 1939 حدثت في أوربا وآسيا، ومعظم الثورات ما بعد الحرب العالمية الثانية وعقد استقلال معظم الدول المستعمرة بما فيها أفريقيا الستينيات حدثت في آسيا وأمريكا الجنوبية، وجلّ الثورات التي حدثت بين عامي 1960 و1980 وقعت في أفريقيا وآسيا، والملاحظ بين أعوام 1980 و2000 هو أنّ ظاهرة الثورات تلاشت من العالمين الأوّل والثاني لتصبح من مظاهر عدم الاستقرار السياسي في الدول الإفريقية والمجتمعات ذات الأغلبيّة المسلمة في آسيا والشرق الأوسط.

ولو افترضنا نجاح معظم هذه الثورات وطبقنا نظريّة الأستاذ كارل لامتلأ العصر الحديث بتراث ثوري مفعم بأفكار تقدميّة خصبة الإيرادات والمنابع، بيد أنّ معظم هذه الثورات وإن نجحت مؤقتا في التحرير السياسي، فإنها ترهلت في سيرها لتحقيق طموحات الشعوب الاستقلالية. فوقفة ثلة من أجل الحريّة والكرامة غالبا ما تجلب المساندة من قبل الجماهير. فغالبا ما تحقق الثورة بادرتها السياسية التحريرية أو التحرريّة، ولكنها سرعان ما تنزوي إلى حيث بدأت مثقلة بالتبعية الاقتصاديّة، وهذه هي القاعدة وإن كانت هناك استثناءات ليست في وجود مشتثنيات على القاعدة العامة، لكن ما أردنا الإشارة إليه هو عدم وجود علاقة تلقائية أو سببية بين الاثنين. فعلا هناك دول نجحت في الاثنين معا مثل أمريكا و الصين مثلا، لكن الغالب لم ينجح، و من المفارقات المطردة، أن الدول التي تحررت من الحكم العثماني في أوربا البلقان كانت أيضا تسعى للتحرر الاقتصادي ، وقد نجحت هذه الثورات الأوروبية الأولى ضدّ الحكم العثماني، رغم قلة أدبياتها لتركيزها على الحرية والتحرير، والتمردات الآسيوية في كوريا وفيتنام ضدّ الاحتلال الغربي نجحت سياسيا لتركيزها على التحرير و التحرر، والثورات الأفريقية كذالك نجحت في مراميها التحريرية الاستقلاليّة، لكنّ القاسم المشترك بين هذه الحركات الثوريّة هو أنّ معظمها أخفقت في التحرّر الاقتصادي.

قد يكون صحيحا أيضا الافتراض بأنّ هذه الثورات لم تنجح في الأداء الاقتصادي لافتقارها إلى منظور ثوري يفقه الأبعاد الاقتصاديّة لحقيقة الثورة ويرتضي بتبعاتها الخطيرة كما كان الشأن في كوبا والصّين أو غينيا كناكري تحت حكم سيخو توري. وهكذا انفضت معظم الدول الثائرة على أنقاضها لتنقض أو تفنّد نفس المبادئ الثوريّة التي قامت من أجلها.وسنحاول الآن تقريب الصورة تحليليا من خلال التركيز على الثورات العربية الأخير التي حدثت في العام 2011، كحالة خاصة بين الثورات العربية بعامة.

أربعة أنواع من الثورات في العالم العربي

 هناك أربعة أنواع من الثورات في المنطقة العربية منذ فجر القرن الماضي:

النوع الأول: ثورات ضدّ الحكم العثماني، وبالأخصّ في منطقة الخليج واليمن سواء تحت قيادة الشريف حسين بن علي، وما تبعها من الإستقواء بالنفوذ الغربي –البريطاني والفرنسي في المنطقة.

النوع الثاني: كانت الثورات الوطنية القوميّة ضدّ الاحتلال الغربي بدءا من الثورة المهدية في السودان وثورة العراقيين بقيادة رشيد علي، وثورة عرابي في مصر. وقد بلغ هذا النوع ذروته مع ثورة الجزائريين ضدّ الاحتلال الفرنسي، وقد اطمئن إلى اعتبار الانتفاضات الفلسطينية ضدّ الإسرائيليين جزءا من هذا القبيل.

والنوع الثالث هو ثورات الجهاديين ، بدءا من تسعينيات القرن الماضي بقيادة تنظيم القاعدة. وقد انبعثت هذه الثورة استراتيجيا من حركة جهادية مسلحة ضدّ الأمريكيين و حلفائهم في الغرب من الأوروبيين أو في الشرق من الإسرائيليين،أو بما أسماه مؤسس الحركة أسامة بن لادن ب"التحالف الصليبي الصهيوني." وفشلت هذه الحركة وما تبعها من انشطار أو اندثار، كان نتيجة عدم واقعية مطالبها وتناقض أهدافها ولا تاريخيتها.

النوع الرابع: هو الثورات العربيّة ضدّ الحكم القومي والاستبداد الوطني. ويعتبر السودان من أكثر دول المنطقة عرضة لهذا النوع من الثورات بما فيها ثورة أكتوبر 1964 ضدّ الجنرال إبراهيم عبود وثورة الشعب ضدّ الرئيس جعفر نميري في مارس عام 1985، وكذلك كانت هناك ثورات الأكراد ضدّ الحكم المركزي في العراق وضدّ صدام عام 1974 ، وثورة الإخوان في سوريا ضدّ نظام الأسد الأبّ عام 1982، وما سبق كان ثورات مسلحة من أجل التغيير السياسي، وهنا اختلفت ثورات الربيع العربي.

لسلميتها كانت ثورات ما يعرف بالربيع العربي أنجع ثورات النوع الرابع.. والتي قامت في تونس ومصر وليبيا وسوريا وجوهر الفرق بين هذا النوع الأخير وسابقيه يندرج في طابعه السلمي الذي غلب على بعضها وتمت عسكرة بعضها الآخر مع قمع النظام االدموي للمعارضين في الأخيرتين، وعدم توجهها مذهبيا أو طائفيا أو عرقيا، مما أعطاها بعدا عالميا وتعاطفا إنسانيا جرّد معسكر الدولة من قدرتها على استخدام العنف السلطوي- أو أضعف أثره- أو اللواذ بالإمبريالية العالمية،بل كانت السلمية وقمع الأنظمة عاملا فاعلا في نجاعتها ونجاحها واستمرارها.

ومن هنا نسأل: كيف واكبت أدبيات الربيع العربي جلل هذه الأحداث و نبل أهدافها؟ وهو ما نناقشه في الجزء التالي.

مفردة الربيع العربي واللغة العالمية

 أدبيات الربيع العربي وآثارها الفكريّة لا تبدو مقنعة بأنّها ساهمت في إثراء الأغراض الإنسانية البحتة، يبدو لي أنّ فترة التأمّل على مسار الثورة والتفكير في مغزاها كانت قصيرة الأمد وعميقة التأثير لم يتمكن مع وطأتها المفكرون من التنبؤ لمطالب الجماهير الغفيرة أو التكهن لمسارها، فهتافات جماهير الربيع العربي في شوارعها كانت أكثر بلاغة من خطابات النخب في منابرها.

ولعلّ السعى السريع إلى لعبة الانتخابات والاستفتاءات على خلفية تنحّي النظم البائدة أحدث نقلة غير ناضجة من الفكر النقدي الإصلاحي، إلى التفكير الفئوي والأيدولوجي السلبي الذي سرعان ما انكمش شركاء الثورة بسببه وانكبوا خلاله على الدعاية الانتخابيّة والأيدولوجية، عبر رفض أو تشويه الآخر حتى محاولة تجريده من شرعية الوجود.

فمثلا، حقبة الثورة الغامضة في مصر لم تتجاوز أربعة أسابيع ثمّ كانت مرحلة الحكم العسكري والتي فهمت لدى كل الشركاء بأنّها انتقال لمرحلة الانتخابات، وكانت النتيجة أن أصبح تركيز النخبة سياسيا استراتيجية لكسب سند الناخبين واستهواء عاطفة الجهة الحاكمة، ثمّ كانت مرحلة الانتخابات التي سرعان ما أرست روح التنافس السياسي بين الشركاء الذي انطفأ بموجبه التفكير الموضوعي وساد خطاب الإقصاء والتخوين.

تعتبر الانتخابات من نقاط ضعف الديمقراطية: فالإكثار منها مفرق للشمل ومضرّ للاستقرار الوطني، كان الفيلسوف الكبير وأبو الدستور الأمريكي جيمس ماديسون يفقه هذا المدى السلبي للانتخابات، فكان يتوجّس منها و يعتبرها ملاذا أخيرا باعتبارها شرّا لا بدّ منه. فمعظم كتاباته تنمّ بأنّ نجاح الديمقراطية في حوار الشركاء وليس في الانتخابات. فالانتخابات ليست لحلّ النزاعات ذات الطابع السياسي بين الفرقاء، فتلك محلّها الحوار والجدال بالمنطق، فالانتخابات نهج شفّاف للاختيار بين مجموعة من الحلول التي توصل إليها أو وافق عليها الفر قاء. فخطابها موجه للعواطف ولكسب أصوات الناخبين ولا طائلة فيه سوى الكسب الصوتي. فالغلبة فيه للتنظيم والتعاضد الفئوي والأيديولوجي. و قد أثبت الكثير من الدراسات أنّ الإكثار منها محبط للمشاركة السياسيّة: تبدأ عاليا ثمّ تتنقّص بقدرما تنكمش حماسة المشاركين. فقد مرت مصر منذ تنحّي الرئيس مبارك في 11 فبراير عام 2011 إلى نهاية عام 2012 على ثلاثة انتخابات وطنية واستفتاءين الدستور على المستوى القومي. وهذا يعني بمعدل انتخاب أو استفتاء واحد في كل خمسة أشهر أو أقل. و قد يلاحظ المحلل السياسي التضاحل التدريجي في نسبة المشاركة الشعبية مع كل انتخاب: ففي الاستفتاء الأوّل عن الدّستور في مارس 2011 كان مستوى المشاركة 41% من الناخبين المؤهلين، وفي الانتخابات البرلمانية التي تلتها في نوفمبر ويناير وصل مستوى المشاركة إلى 62%، وفي الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة في مايو 2012 أصبحت نسبة المشاركة قرابة 50% و في دور الإعادة بين مرسي وشفيق انخفضت نسبة المشاركة إلى قرابة 43%، وفي الاستفتاء الثاني على الدستور الجديد في شهر ديسمبر المنصرم هبطت نسبة المشاركة إلى 31%. وهذا النّوع من الإحجام عن المشاركة في اللعبة السياسيّة يعرف بالإرهاق الانتخابي.Election fatigue
 

لقد تأثر العالم أجمع بثورات الربيع العربي. فقد وجدت (مجموعة) مراقبة اللغة العالميّة(Global Language Monitor) أنّ عبارة الربيع العربي بالإضافة إلى كلمتي استيف ديوب، (مؤسس شركة أبل المتوفى) و كلمة ’احتلال’ التي تميّز بها المتظاهرون في مدن أمريكا، كانت الأكثر ورودا في الإعلام العالمي عام 2011 ، وكان ميدان التحرير الكلمة السادسة في ترتيب الكلمات في العالم في نفس العام، كما يوضح المسرد الحالي:

The Top Phrases of 2011
1. Arab Spring – The series of uprisings, social protests, and rebellions occurring among many nations of the Arab World beginning this spring.
2. Royal Wedding – The wedding of the former Kate Middleton and heir-to-the-British-Throne, Prince William that captivated millions around the world.
3. Anger and Rage – Characterizations of the global electorate by the pundits, though closer analyses has revealed more frustration than anger and more disappointment than rage.
4. Climate Change – No. 1 phrase for the first decade of the 21st century; still resonates into its second decade.
5. The Great Recession – Though officially over, the media term most frequently used to describe the on-going global economic restructuring.
6. Tahrir Square – The scene of the ‘25th of January’ demonstrations in Cairo against Hosni Mubarak.
7. Linear No Threshold (LNT) – The methodology to calculate risk from exposure to radioactive elements from the Fukushima Daiiachi disaster.
8. Bunga Bunga – Re-emerged in the language through ‘bunga-bunga’ parties hosted by Italian Prime Minister Silvio Berlusconi.
9. ‘How’s that working out for you?’ – The New York Times credits Sarah Palin, but it predates her use of the phrase by several decades.
10. “Make no mistake about it!” – President Obama has repeated the phrase thousands of times since his 2008 election.

سياسات الربيع.. أقل قبولاً

في مسعانا لمسح لأفكار ومصطلحات الربيع العربي عبر مصر وتونس وليبيا وفي الصحف الأكثر تداولا في هذه الدول ألفينا أنّ عبارات "الفلول" و "الإسلاميون" و"العلمانيون" هي سند الإعلام العربي في زمن الثورة والتغيير. و بيّن من مرامي هذه المصطلحات أنها صكّت لصندوق الانتخابات.

فجدير بالذكر بأنّ لغة الصناديق هي لغة "سفلى"، وقد أثبتت الكثير من الدراسات أنّ للدعايات الانتخابية أثرا سلبيا على المجتمع والنخبة السياسيّة، فطولها يعكر الديمقراطية وكثرتها يرهّل ماكينة الاقتصاد. فعباراتها قائمة على إستراتيجيةwedge issue polities ويعني تهميش الآخر بإقصائه ضمنيا وقطعيا من جملة البدائل المقبولة دونما نقاش منطقي مستفاض.

التوافق هو الحل

 لنضع تحليلنا للموضوع في إطار أوسع: إنّ أعظم تحدّ يواجه البشريّة حاليا هو إشكاليات الوفاق والتغيير. الوفاق يقصد به صراع البحث على البديل الأنسب ضمن عدد من البدائل المطروحة المتجددة. والتغيير هو تبدّل تدريجي سار في كل ربوع العالم عبر العولمة وتكنولوجيا الفضاء الإلكتروني. لقد وصل مستخدمو فيسبوك في شهر أكتوبر الماضي سنة 2012 إلى بليون شخص وهذا يمثل قرابة ربع سكان المعمورة، ويتم البحث عن مليونين من المعلومات في كل دقيقة عبر غوغل، ويتم تبادل مائة ألف تويت في كل دقيقة، ويستوعب يوتيوب ما مقداره 48 ساعة من المحتوى في كل دقيقة ، فلهذا التغيير الجوهري أثران على الواقع المعاش:

التأثير الأول: طمس فيسبوك ويوتوب وتويتر جوانب أساسيّة من الإرث الاستعماري المتمثل في لغز الحدود ومحتوى الأخبار وسيطرة الدولة عليه.

التأثير الثاني: فقد جرّدت هذا التدفق المعرفي هويّة الانتماءات السياسية من معانيها التي كانت نتاجا للحرب الباردة، وموروثا من الثنائية الأيديولوجية، التي طغت على الحياة الفكريّة بعد الحرب العالمية الأخيرة. فلم يعد لمفهوم الشيوعية أي مدلول عمليّ في الواقع السياسي. فالشيوعيون الصّينيون الجدد هم أكثر رأسمالية من الرأسماليين القدامى في الغرب، وقادة حركة ’احتلال’ المعارضة للرأسمالية في أمريكا هم خريجو نفس الجامعات التي شيدت على الرأسمالية. و معروف بين المهتمّين بالسياسة الأمريكيّة عدم وجود فرق جوهريّ بين الجمهوريين و الديمقراطيين تجاه السياسة الخارجيّة.

إن أهمّ درس يستنتج من ارث الدول المستقرة يحكي بأنّ الديمقراطية التي شيدت على إقصاء الآخر لا تؤدّي إلا إلى الاحتراب وعدم الاستقرار. وصدى المصطلحات الأكثر شيوعا في صحافة الربيع العربي لا يبشّر بالاستقرار. فمصطلحات الإسلاميين، والعلمانيين والفلول تعبر عن أحداث الأمس أكثر من واقع اليوم . فقضايا النقاش حول الإسلاميين تظل في إطار العنف الديني اللاعقلاني، والنزعة الجهاديّة التي لا تحتمل المعارضة. ووسمة العلمانيّة توحي بالعمالة للغرب والخيانة للوطن والرفض للدّين، بينما تتسع عبارة الفلول للنخب وغير الإيديولوجيين الذين استفادوا من النظام البائد. ولا يختلف نزيهان بأنّ هذه المواصفات غير دقيقة وغير علميّة وأنّها ذات أهداف سياسية بحتة يتجمّد معها التفكير العلمي الموضوعي الذي بدونه لا يتمّ الاختراع والتجديد.

لقد قصرت بلاغة الربيع العربي في استكشاف هذه المعادلات التاريخيّة والتنبؤ لجغرافيتها فيما بعد الثورة، فلا تكون الثورة ثورة، حين يستبدل واقع اليوم بماضي الأمس أو الفائز بمعارضه الخاسر. فالثائر الحقّ هو كائن يؤثر خيال المستقبل على تاريخ الماضي. "فلا تكون الثورة جزئيّة الانطلاق والاكتمال" كما يقول أبو الثورة الصينيّة ماووتسي تنغ. انّ الفكر الثوري هو رفض للواقع في كلياته الحركيّة والفكريّة، وتغيير الواحد لا يكتمل إلا بإجهاض الآخر في معناه ومبناه ثم الاستشراف لبديل مغاير لهما على مستوى الفكر والحركة.

 

*دراسة أعدها البروفيسور في جامعة ديوك الأميركية أمباي بشير لو